السيد الطباطبائي
366
تفسير الميزان
وتبقى هذه الرحمة إلى مجئ وعد ربى فإذا جاء وعد ربى جعله مدكوكا وسوى به الأرض . والمراد بالوعد إما وعد منه تعالى خاص بالسد أنه سيندك عند اقتراب الساعة فيكون هذا ملحمة أخبر بها ذو القرنين ، وإما وعده تعالى العام بقيام الساعة الذي يدك الجبال ويخرب الدنيا ، وقد أكد القول بجملة " وكان وعد ربى حقا " . قوله تعالى . " وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض " الخ ظاهر السياق أن ضمير الجمع للناس ويؤيده رجوع ضمير " فجمعناهم " إلى الناس قطعا لان حكم الجمع عام . وفي قوله : " بعضهم يومئذ يموج في بعض " استعارة ، والمراد أنهم يضطربون يومئذ من شدة الهول اضطراب البحر باندفاع بعضه إلى بعض فيرتفع من بينهم النظم ويحكم فيهم الهرج والمرج ويعرض عنهم ربهم فلا يشملهم برحمته ، ولا يصلح شأنهم بعنايته . فالآية بمنزلة التفصيل للاجمال الذي في قول ذي القرنين : " فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء " ونظيرة قوله تعالى في موضع آخر : " حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين " الأنبياء : 97 . وهي على أي حال من الملاحم . وقد بان مما مر أن الترك في الآية بمعناه المتبادر منه وهو خلاف الاخذ ولا موجب لما ذكره بعضهم : أن الترك بمعنى الجعل وهو من الأضداد انتهى . والآية من كلام الله سبحانه وليست من تمام كلام ذي القرنين والدليل عليه تغيير السياق من الغيبة إلى التكلم مع الغير الذي هو سياق كلامه السابق " انا مكنا له " " قلنا يا ذا القرنين ولو كان من تمام كلام ذي القرنين لقيل : وترك بعضهم على حذاء قوله : " جعله دكاء " . وقوله : " ونفخ في الصور " الخ هي النفخة الثانية التي فيها الاحياء بدليل قوله " فجمعناهم جمعا وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا " . قوله تعالى : " الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا "